إن مجد الإسلام تحقق بفضل التكاتف والتعاون بين جميع الشعوب التي رفعت راية الإسلام، وعملت تحت كنفه، وباسمه قهرت الأمم والشعوب كأنهم مليون مليون مستحيل. فالعرب جزء حيوي وهام من العالم الإسلامي، وليس العكس. لاحظنا أن المعارك الفاصلة قادها العرب والبربر والفرس والأتراك والمماليك.. وكل لعب دوره بحماس شديد وعزيمة من حديد، لنشر الدين الإسلامي بين الأمم من عرب وعجم. فكانت كلمة السر العقيدة السليمة. لم يكن يهمهم جمع الغنائم، أو اقتسام المناصب، أو الخلود في حضن الذاكرة، أو الالتصاق على قمم الألسن... بقدر ما كان العمل خالصا لوجه الله تعالى، ونصرة الحق.
امتازت الجيوش الإسلامية بالرأفة بالأعداء؛ فلم يكن الهدف الانتقام، أو سلب أصحاب البلاد الأصليين ثروتهم، أو سحق حضارتهم وإرثهم التاريخي. بل منحت الشعوب المغلوبة الحريات المختلفة؛ وبضمنها: الحرية الدينية، وحق التملك، وحرية التنقل، والحق في حياة كريمة. ولاحظنا كيف استطاعوا إلغاء التفوق العددي من قبل أعدائهم، وترجمته إلى نقص، وتسجيل الانتصارات. وكيف جابوا بلادا لا يعرفونها، وبحارا غريبة عنهم. وكيف تفوقوا على خبرة أعدائهم العسكرية، وامتداد حضاراتهم، بطرح الإسلام المتين.
وللقائد العسكري في المعركة أعظم البصمات في تسطير صفحات التاريخ الزاهرة. فالمعركة وان دامت بضعة ساعات، واشترك في خوضها بضعة آلاف من الجنود، أبعادها تمتد إلى أجيال. تخضع البلاد الواسعة، وتسقط الإمبراطوريات التي لا تغيب الشمس عنها، وتضيع بها أربعين سنة.
القائد العسكري الفذ هو المثال الأعلى لجنده في ساحة الوغى، يستقبل الموت بصدر عار، والموت يفر من بين عينيه، فيستميت الجند، والرماح تخترق صدورهم وهم مقبلون على الموت، حتى يعجب الأعداء لبسالتهم وشجاعتهم الأسطورية، فيسقطون بين سيوفهم ورماحهم وسهامهم، بين قتيل وجريح وأسير وفار.
لم يعرف التاريخ البشري شعباً أو قوماً استطاعوا اجتياح العالم بهذه السرعة الفائقة، واستقبالهم من قبل الشعوب المختلفة بالترحيب والرضا، واعتناقها للدين الاسلامي، وتبنيها اللغة، والبقاء على العهد.
لقد اجتاح العالم الاسكندر الكبير، وجنكيز خان، وهولاكو، وآتيلا، ونابليون وهتلر... لكنهم جميعا فشلوا في الاحتفاظ بإنجازاتهم، وسرعان ما عادوا أدراجهم إلى حجمهم الطبيعي، واستعادت الشعوب حريتها ولغتها ودينها . أما قصة الإسلام فتختلف كليا؛ لأن المسلمين حملوا إلى العالم رسالة وعقيدة، وتشريعا ربانيا، وكتاب الكتب - القرآن الكريم-. والشعوب التي اعتنقت الإسلام هي التي أكملت نشره بين الأمم: صلاح الدين الأيوبي بطل حطين؛ من أصل كردي. طارق بن زياد - فاتح الأندلس- من أصل بربري. محمد الفاتح - فاتح القسطنطينية؛ ومحطم الإمبراطورية البيزنطية- من أصل تركي... وساهمت الشعوب التي دخلت ضمن حدود الدولة الإسلامية، في إحياء الحركة العلمية والفكرية والإدارية، وخاصة الفرس والأتراك. فحياة الدولة لا يمكن أن ترتبط بالسيف وحده، وإلا تهاوت الدولة مثل أوراق الخريف. فالتتار والمغول والقبائل الجرمانية التي اجتاحت أوروبا؛ وأعملت السيف في رقاب العباد، لم تقدم للشعوب المغلوبة والمرعوبة أي إرث حضاري، أو رسالة مقدسة، فسرعان ما انتفضت عليها هذه الشعوب، وكنستها، بالرغم من نجاحها في إسقاط الإمبراطوريات، وإغراق الحضارات، وإرهاب الشعوب.
مر العالم الإسلامي بعدة محن جادة، أفقدته صوابه، حتى ظن البعض انحساره وتوقعه. فمعركة كربلاء مزقت العالم الإسلامي، وفاض منها جرح ظل ينزف حتى يومنا هذا. والحروب الصليبية، ووقوع القدس في قبضة الصليبيين بعد مذبحة رهيبة في ساحة الأقصى، وفي عدة مدن إسلامية، واستنزاف الطاقات الإسلامية... فكان الدواء سيف صلاح الدين الأيوبي، بقلبه الكبير، وعقله النافذ. وأسقطت بغداد الحضارة، وقتل ما يزيد عن مليون من سكانها، وقضي على الخلافة العباسية، ودمرت المدن الإسلامية، وذبح أهلها... فكانت معركة عين جالوت، واستبسال المماليك بقيادة الأميرين قطز وبيبرس.
كانت المعارك طاحنة لنشر الدين الإسلامي، واصطدام لا بد منه بإمبراطوريات قديمة كالروم والفرس، وقهرهم معا في أروع معارك التاريخ: في القادسية ونهاوند واليرموك... وعين المسلمين في اتساع مستمر، تنتقل العاصمة من المدينة المنورة، إلى الكوفة، إلى دمشق، إلى بغداد، إلى القاهرة، إلى أدرنه، إلى استانبول... تنشر الرايات الإسلامية نحو الشرق والغرب، حتى وصل فيض الإسلام إلى الصين والهند وأفغانستان واسبانيا وايطاليا وبلغاريا...
من يدرس هذه المعارك والمحطات الفاصلة في التاريخ الإسلامي، يعجب لحال العرب والمسلمين! بالأمس كانت راياتهم خفاقة في عمق أوروبا والصين والجزر والمحيطات... ترتعد فرائص العالم لوقع خيولهم وصليل سيوفهم، وزئيرهم يشق عباب السماء.. وهم وقتها مجموعات ضئيلة مستضعفة، وعتادهم شحيح، لكن سلاحهم كامل في صدورهم: الدين معاملة. يمنحون الثقة للشعوب التي تدين بالإسلام، يولّونها أمورها، ويتابعون المسير إلى بعد المغيب.
أما اليوم من يُعَد المسلمون؟! إنهم الآن يشكلون خمس سكان العالم، يشكلون ما يقارب خمسين دولة، ويمتلكون مساحات شاسعة من الأرض التي تختزن النفط والغاز والخيرات... ولهم منافذ على البحار، ومدن عامرة وزاهرة، ولا وزن لهم أمام القرارات الدولية، فلا يملكون قرار أنفسهم، لا احترام لشعوبهم، لا يعرفون طعم الحريات، ماتت القيم العليا فيهم.. خنقوها ودفنوها تحت شمس الظهيرة! وساروا في جنازتها خفية، وأعلنوا اختفاءها وضياعها! وصاروا يبحثون عنها عند أقدام الغرب! وراحوا ينبشون الخلافات العتيقة البائسة بين سنة وشيعة! ولا يتذكرون ما جمعهم عبر التاريخ، وجعل منهم نسيجا واحدا؛ قلبا ورئتين... فهل يفرق الجسم بين كليتيه ؟ وصاروا يعبدون الدولار الأخضر وتكديس اليورو الأوروبي.. تتضخم ثروة الحاكم كل يوم ألف ألف مرة، ويجوع ألف ألف مسلم بالمقابل كل يوم! وتنقرض وجباتهم إلى الصفر...
مات خالد بن الوليد معدما، واستشهد الإمام علي بن أبي طالب فقيرا، ومات طارق بن زياد فاتح الأندلس في بلاد الخيرات فقيرا، ومات صلاح الدين الأيوبي ومعه بضع دراهم أعادها إلى بيت المال في بغداد...
واليوم؛ يقتل العربي أخاه كي يجلس على عرش خشبي، أو بلاستيكي.. تحارب الدولة الإسلامية شعوبها، تسلب المواطن حقوقه الطبيعية، تصادر فكره، مما يُسهم في تحجر قلب الأمة وعقلها.. تنتشر الأميّة فينا انتشار النار بالهشيم. يريد الحاكم أن يجيد المواطن "عاش الملك".. العالم الحر يفكر في تعليم جميع أبناء شعبه في الجامعات والمؤسسات العليا.. والعرب ما زالوا يحصون عدد الأميّين، ويتجادلون؛ هل هم ما بين 60%- 70% أو يزيد أو ينقص!! يلاحقون العلماء، يزجون بهم في غياهب السجون، أو يفرون إلى حضن الغرب، وباسم الغرب يمنحون أروع الأوسمة! يخافون من العلماء والعباقرة إن أشاروا أن الملك يسير عارٍ ولا يستر حتى عورته! أصبحوا شعوبا لا تقرأ، يقتنون كل شيء إلا الكتب! يشترون أروع السيارات وأفخمها، يطير زعماؤهم من عاصمة الأنوار إلى عاصمة الضباب، يتذوقون أشهى الأطعمة، يرتدون أرقى ماركات الملابس، يرتعبون من قصة قصيرة تروي حكايتهم، أو مجموعة شعرية تجسد معانات شعوبهم، وتفضح صورهم أمام أنفسهم وأمام العالم... يرون الرقي أن يغدقواعلى أطفالهم بسيل من الألعاب الصينية والتايوانية.. ولا يفكرون بكتاب عربي لكاتب بائس ينتظر قارئا مغامرا يعشق الحرف العربي الذي يُخيف نصف سكان الكرة الأرضية! يُكدسون الكتب والموسوعات التاريخية واللغوية والدينية... يضعونها في غرف الاستقبال، كلوحة فنية جميلة يغزوها الغبار الباهت.. تبحث عن قارئ يغوص في الكلمات، ما بين الأسطر، يتواصل مع الكلمات والكاتب والكتاب.
ما زالت الحكومات العربية تحارب الكتاب والكاتب، تفرض الرقابة العسكرية على حرف خلق ليكون حرا... لا يعرفون عن الكتاب شيئا إلا أنه يشكل الخطر إن فـُـهم.. وما زال الكاتب العربي يحبس أفكاره خوفا من الجلاد! ما زال يكتم حبه للحق! ما زال يقف وحيدا في وجه السوط وإصبع السبابة وأعواد الكبريت.. ما زالت وزارات الثقافة العربية تحارب المعتزلة والجبرية والقدرية والشيوعية... وبعد أن مات منظروها، وتدير ظهورها للعلم وفلسفة الحياة... تهرب من الواقع إلى ظل الواقع! ما زالت تعلق كل فشلها على عدوها الوهمي: "المؤامرات"! ابتدعوها كي يبرروا كل كبوة وانتكاسة... إنهم يزرعون الفشل بذرة بذرة، وصباح مساء.. فهل ينتظرون أن ينبت الفشل أزهار النجاح ؟!
ما زالت الحكومات العربية تتاجر بالخزعبلات والقيل والقال... والعالم يتناحر: من يكتشف كوكبا جديدا؟ من يطور نظام دفاع جديد؟ من يترجم أكبر عدد من الكتب؟ من يشيد أرقى الجامعات ومراكز الأبحاث العلمية؟ من يمنح أعظم الحقوق للمواطن؟... أما الحكومات العربية فتحارب بقايا الثقة في صدورمواطنيها، وتحاكم الجندي المهزوم فيها: لماذا هرب من ساحة الوغى؟ لماذا تمتد يده إلى رغيف الفقراء؟ لماذا يسمع ما يقوله الناس؟... وما زال المواطن العربي يقف على بوابات الوطن، يطلب الرشوة، أو يدفعها لضابط برتبة عالية تحلي النياشين كتفيه! حتى لتخاله بطلا قوميا أشرف على معركة بطولية ظافرة.. أو يعبر بسلام لبوابة أخرى في الوطن المترامي الأطراف تمتد يده إلى جيبه البارد لتدفئ جيب ضابط آخر راتبه هزلي، يدفع فترتسم على شفتيه ابتسامة بطول الفرات وعرض دجله..
في البلاد العربية تشرّع الحاجة الرشاوى، وتغمض الأنظمة العين عنها وعن أسبابها، ويخرس القلم ويقفل المحضر... وفي العالم المتحضر: يقاضى ويسجن وزير أو رئيس دولة؛ لأنه أشعل سيجارة من خزينة الدولة، أو لأن يده امتدت ولو لمرة واحدة، إلى خزينة الدولة والأموال العامة بغير حق..
أما في الدول العربية: فمن ذا الذي يحاكم السارق للقمة الخبز من أفواه الفقراء، وسارق الابتسامة من شفاه الأطفال، ومن تمتد يده إلى أرزاق العمال الكادحين، وتراه مليون مليون عين، ويُسجل القلم: "مستثمر ناجح!!"
ما زالت الأنظمة العربية تتردد في شراء السلع من دولة عربية شقيقة، أو دعم اقتصادها، وأوروبا على اختلافها، منذ سنوات تتبنى العملة الموحدة (يورو)، وسوق أوروبية مشتركة... ودول العرب تعتز كل منها بعملتها الورقية الهزيلة، وصور زعيمها المهترئة المتآكلة على العملة.. ولو حاولوا صك العملة العربية الموحدة تزينها صورة جماعية للقادة العرب؟! لاختلفوا؛ من يقف في الصف الأول، ومن يقف في الوسط، أوعلى الأطراف..
زعماء العرب حولوا القبلة إلى البيت الأبيض، يركعون هناك، يتلقون القرارات الجاهزة والأوامر من هناك، يتبرعون هناك، يترعون هناك، ينتزعون البركات من سيد البيت الأبيض... وما إن يصل أحدهم إلى كرسيه؛ حتى يبلغه أن السيد الذي أعطا قد سحب وأبطل... أو بدّل! وقد انتهى مفعول كل ما جمِّل داخل الطائرة!
نعم؛ للعرب عقل لا يقرر، ووزراء يقبضون المعاشات، ومجلس نواب صوري، ومستشارون شكليون... هم من جعل البيت الأبيض شاغلهم، وقد جعل إذلالهم شغله وصنيعته!.
أصبح العربي يعرف تاريخه من خلال المسلسلات الرمضانية، مادة يتسلى بها، يحارب بها سأمه وفراغه، ويشبع غروره المفرغ من كل مضمون وقيمة.. هذا التاريخ الذي يشكل رصيد الأمة إلى الأيام القادمة والقاتمة.. فالأمة التي تنكر تاريخها تنكرها الأيام، وتكون أضحوكة وملهاة للشعوب عبر الزمن.. ولأمة العرب تاريخ مبجل.. لو كان لغيرها لأضاءت به العالم.
كتبها سهيل عيساوي في 09:49 صباحاً ::
الاسم: سهيل عيساوي
